إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 23 يناير 2019

درس مطالعة: (الحقيقةُ والكذبُ)، مِن كتاب: (أساطير وحكايات زنجيّة إفريقيّة)، 2018-2019







الأستاذة: فوزيّة الشّطّي { مطالعة: 'الحقيقةُ والكذبُ' { 2ث، معهد 'المنتزه' بالكبّاريّة { 2018-2019
ذاتَ يوم، اتّخذ الكذبُ والحقيقةُ عصا ترحالهما معا. وقال الكذبُ بلطف لرفيقته الحقيقة:
-         خلالَ ترحالنا تتكلّمين أنتِ لا أنا لأنّ القومَ لن يُرحّبوا بنا إنْ علموا مَن أنا.
وفي المنزل الأوّل حيث نزلا، أهِلَتْ بهما زوجةُ ربِّ البيت قبل أن يعودَ قرينُها عند هبوط اللّيل. وما إنْ قدمَ حتّى طلبَ مِن امرأته أن تُقدِّمَ له الطّعامَ. فقالتْ له إنّها لم تُعدَّ شيئا لعشائه. لكنْ في حقيقة الأمر سبقَ لها أن طَهتْ في الظّهيرةِ وجبةَ الغداء لشخصيْن وخبّأتْ نصفَ الوجبة. ورغم أنّ زوجَها لم يعلمْ بشيءٍ مِن هذا، استشاطَ غضبا. فقد عاد مِن الحقلِ جائعا سَغِبا. والتفتَ إلى الغريبيْن الضّيفيْن، وسألهما:
-         هل تريَان تصرُّفَ هذه المرأة تصرُّفَ ربّةِ بيت صالحة؟
ولزِم الكذبُ جانبَ الصّمت الحكيم. إلاّ أنّ الحقيقةَ لم يكنْ بوُسْعها إلاّ أن تجيبَ. فقالتْ بصدق إنّ ربّةَ منزل صالحةً يترتّب عليها إعدادُ كلّ شيء لعودة زوجها. حينئذٍ تملّكت الزّوجةَ سَوْرةُ غيظ وسُخط على الغريبيْن لأنّهما أذِنا لنفسيْهما بالتّدخّلِ في شؤون العائلة. وفي نهاية المطاف ألقتْ بهما إلى قارعة الطّريق.
واستأنفَ الكذبُ والحقيقةُ رحلتَهما، وبلغَا ضيعةً ثانية حيث وجدَا الأولادَ مُنهمِكين في اقتسام بقرةٍ عاقر ذُبحتْ للتّوّ وقد استبدّ بها التّربُّلُ والسّمنةُ. وحين دخل المسافران بيتَ العمدةِ التقيا بأولاد أتَوْا إلى العمدة لتوّهم برأسِ البقرة وأشلائها قائلين له: «هذه هي حصّتُكَ». بيد أنّ الجميعَ يعرفُ أنّه مِن شؤون العمدة أن يقسِمَ الحصصَ في هذه الحال. فسأل العمدةُ الغريبيْن وقد حضرا تفاصيلَ كلّ ما حدث: «مَن تريان أنّه الآمرُ النّاهي في هذه الضّيعة؟».
فأجابت الحقيقةُ دونما تردّد: «يبدُو لنا أنّهم الأولادُ».
وما إنْ سمع العمدةُ هذه الإجابةَ حتّى أرغَى وأزبد مِن الحنَق الشّديد. وأوعز بطردِ هذيْن الغريبيْن لوقاحتهما.
عندئذٍ قال الكذبُ للحقيقةِ رفيقتِه:
-         الحقَّ أقول لك، لا أستطيعُ مِن بَعْدُ أن أتخلّى لكِ عن تدبير أمورنا. فسوف تدفعين بنا إلى الموتِ جوعا. بعد هذا الحِين، سأقوم أنا بمهمّة تسيير شؤوننا.
فتخلّت الحقيقةُ عن النّهوضِ بتدبير أمورِهما وقولِ الحقّ والصّدق. ثمّ بلغا ضيعةً ثالثة. وجلسا في ظلّ شجرة قربَ بئر. وكانت صرخاتٌ شديدة تنبعثُ مِن القرية. وعلم الرّفيقان أنّ محظيّةَ الملك قد قضَتْ نَـحْبَها. وقدِمتْ خادمةٌ لتسقيَ ماء وهي تبكي غَمّا وحُزنا. فاقتربَ منها الكذبُ، وسألها:
-         ما هي المصيبةُ الّتي تُبكيكِ كلَّ هذا البكاء وتُصيّر جميعَ القوم ينتحبون في قريتكم؟
فأجابتْ: «ماتتْ سيّدتُنا الصّالحة زوجةُ الملك المحظيّةُ لديه».
-         كيف! كلُّ هذه الضّجّة بسبب أمر بسيط جدّا؟! هيّا، اِذهبي إلى الملك، وقُولي له ألاّ يحزن وألاّ يغتمَّ مِن بعْدُ. فأنا قادرٌ، منذ سنوات وسنوات، على أن أُعيدَ الأمواتَ إلى الحياة.
وإذا بالملكِ يُرسل بخروف جميل إلى المسافريْن متمنّيا لهما حسنَ الوفادة. وأوعزَ أن يُقالَ للكذب أن يتمهّلَ وأنّه سيلجأ إلى مواهبه الخارقة حين يرى الأمرَ مُواتيا. وفي الغداةِ أهدَى الملكُ خروفا جميلا آخرَ مُكرِّرا للكذبِ كلَّ ما سبَق أن قِيل له. وتظاهرَ الكذبُ بأنّه فارغُ الصّبر. فأرسل مَن يُخبر الملكَ بأنّه عازمٌ على الانصراف مِن القرية إنْ لمْ يستدعِه في اليوم التّالي. واتّفق أن دُعيَ الكذبُ للمثولِ في حضرة العاهلِ. وحين أزفت السّاعةُ مَثَلَ الكذبُ في حضرة جلالته الّذي سأله أوّلا عن أجر خدماته وعرض عليه في النّهاية حصّةً مئويّة مِن كلّ مقتنياته الملكيّة. فرفض الكذبُ قائلا: «أريدُ نصفَ ممتلكاتكَ، يا جلالةَ الملك!».
وأذعنَ العاهلُ أمام شهود، وقبِل بهذا الأجر. آنئذٍ أمر الكذبُ ببناء كوخ تماما فوق الموقع حيث دُفنتْ محظيّةُ الملك. وحين أُنجز البناءُ بكامله، ولَـجَه الكذبُ وحيدا متوسِّلا بأدواتٍ للنّبش والحفر، وتأكّد مِن أنّ كلَّ المنافذِ مُوصدَةٌ بإحكام. وبعد انقضاء فترة طويلة في عملٍ كان القومُ يخمّنونه حثيثا مُضْنيا، سمعوا الكذبَ يتحدّث بصوتٍ عال وكأنّه يتشاجر مع العديد مِن الأفراد. ثمّ خرج الكذبُ قائلا للملك:
-         ها هي الأمورُ قد صارتْ شاقّةً معقّدة. فما إنْ بعثتُ زوجتَكَ مِن الموت حتّى أمسكَ والدُكَ بقدميْها وهو يقول لي: «خلِّ هذه المرأةَ هنا! فما هي منفعتُها على الأرض؟ وماذا ستعمل لكَ؟ أمّا أنا، فإنْ أخرجتني مِن الموت إلى الحياة ورأتْ عيناي النّورَ مِن جديد، فلن أعطيَكَ نصفَ ما يملك ولدي. بل سأهديكَ ثلاثةَ أرباعه لأنّي كنتُ أغنى منه بكثير». وما إنْ أنهى كلامَه حتّى ظهر جدُّكَ، ودفع بوالدك إلى الوراء، وطرده عارضا عليّ أكثرَ مِن ذلك. والآن كلُّ أجدادِك مجتمعون هنا في الكوخ، ولا أدري إلى مَن مِنهم أستجيبُ. ولكن لكيْ لا أجعلَك ترتبكُ ارتباكا مفرطا، قُلْ لي فقط مَن تريد مِنهم أن أبعثَه إلى الحياة: هل هو والدك أم جدّك أم زوجتك الّتي تفضّلها؟
فأجاب العاهلُ دون أيِّ لحظة تردّد: «زوجتي! زوجتي!».
هذا لأنّ الملكَ كان يرتعدُ لمجرّد التّفكير في أنّه قد يرى ظهورَ والده العجوز الّذي سبَق له أنْ استبقاه ردحا طويلا تحت وصايته المستبدّة. فقال الكذبُ:
-         دون شكّ. ولكنّ والدَك يعرضُ عليّ أكثرَ ممّا وعدتني به. وسأفقدُ ثروةً طائلة إنْ أضعتُ فرصةً سخيّة كهذه.
ولـمّا رأى الكذبُ المليكَ مذعورا، أردف قائلا:
-         إلاّ إنْ أعطيتَني، لكيْ أُخْفيَه نهائيّا، ما كنتَ وعدتَ بإعطائي لإرجاع زوجتكَ مِن بين الأموات.
وقال لفيفٌ مِن العرّافين سبَق لهم أن ساهمُوا في اغتيال العاهل السّابق: «في الحقيقة، هذا هو الأمرُ الأفضل».
وتنهّد المليكُ مِن أقصى أعماقه قائلا: «حسنا، ليبقَ والدي حيثُ هو الآن وكذلك زوجتي...».
وهكذا كان. ولأنّ الكذبَ لم يبعثْ أحدا مِن الموت، ظفر بثروةِ الملك الّذي لم يلبثْ أن تزوّج مِن جديد كيْ ينسَى زوجتَه المحظيّة المرحومة.
{ أساطيرُ وحكاياتٌ زنجيّة إفريقيّة، ترجمة: موريس جلال، وزارة الثّقافة، دمشق {
{ 2000، صص: 193-196 {
أجبْ عن الأسئلة التّالية كتابيّا:
-       في هذه الحكاية نزعةٌ نقديّة. بيّنْ ذلك.
-       ما هي الخصائصُ الفنّيّةُ الّتي تجعل هذا النّصَّ الحكائيَّ خرافيّا وعجائبيّا؟
-       لماذا، حسْب رأيك، نجحَ الكذبُ حيث فشلت الحقيقةُ؟                 {/ {



هذا الرّسمُ الّذي يمثّل شخصيّةَ الحقيقة قد أعدّتْه التّلميذةُ النّجيبة 'آية خذيري' مِن قسم '2 علوم 1' في معهد 'المنتزه' بالكبّاريّة.




هذا الرّسمُ الّذي يمثّل شخصيّةَ الكذب قد أعدّتْه التّلميذةُ النّجيبة 'آية خذيري' مِن قسم '2 علوم 1' في معهد 'المنتزه' بالكبّاريّة.




نسخة PDF قابلة للتّحميل
https://files.acrobat.com/a/preview/fa2142eb-be49-4e1d-9cad-67cfebbde630

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

إنتاج كتابيّ: (فقرة حجاجيّة بالدّعم)، محور 1: (الشّعر الجاهليّ)، 2018-2019


{ أستاذة العربيّة: فوزيّة الشّطّي { إنتاجُ فقرة حجاجيّة { الشّعرُ الجاهليُّ {
{ 2 علوم 1 { معهد 'المنتزه' بالكبّاريّة { 2018-2019 {
الموضوع: «كَشَفَ الشِّعْرُ الجَاهِلِيُّ، طَلَلاً وغَزَلاً وَفَخْرًا وَرِثَاءً، مَا فِي بَوَاطِنِ الجَاهِلِيِّينَ مِنْ مَشَاعِرَ إنْسَانِيَّةٍ مُرْهَفَةٍ».
اِدْعَمْ هذه الأطرُوحةَ في فقرةٍ حِجَاجيّة مِنْ خَمسةَ عَشَرَ [15] سَطرا.
{v v v{  
{ الأطروحةُ المدعومة:
لَقد كشفَ الشّعرُ الجاهليُّ، طَللا كان أو غَزلا أو فخْرا أو رثاء، ما في بواطنِ الجاهليّين مِن مشاعرَ إنسانيّةٍ مرهَفة رقيقة. فكيف تجلَّى ذلك في نصوصِ طرفةَ بن العبد وحاتمٍ الطّائيّ والخنساءِ؟
{ سيرورةُ الحجاج:
في الوقفةِ الطّلليّة تمثّلتِ المشاعرُ الإنسانيّةُ في حرصِ الشّاعر على التّعلّقِ اليائسِ بحبيبةٍ نائية لا يكادُ يبلغُها. أمّا قسمُ النّسيب (الغزل) فقد أظهرَ ما في قلب الجاهليّين مِنْ حبٍّ عفيف ووفاءٍ متواصل وعذابٍ في سبيل الحبيبة. حتّى إنّ العاشقَ يرى في الحبيبة الجمالَ النّموذجيّ الّذي لا عيبَ فيه ولا نقيصةَ. شاهدنا على ذلك قولُ طرفة متغزِّلا بخولة:
«وَوَجْهٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ أَلْقَتْ رِدَاءَهَا v عَلَيْهِ نَقِيِّ اللَّوْنِ لَـمْ يَتَخَدَّدِ».
أمّا غرضُ الفخرِ فقد كان مجالاً لتصويرِ عديد الخصال الإنسانيّة النّبيلة. فها هو حاتمٌ يتغنّى بسخائِه اللاّمحدود الّذي تَـمتّع به المحتاجونَ والمسافرونَ وعابرُو السّبيل في كلِّ حينٍ شاؤوا. دليلُنا على ما ندّعي قولُه مُفاخِرا بعطائه ولو على حساب نفسِه:
«وَإِنِّي لَأُعْطِي سَائِلِي وَلَرُبَّـمَا v أُكَلِّفُ مَا لاَ أَسْتَطِيعُ فَأَكْلَفُ».
وكانَ الرّثاءُ المجالَ الأرحبَ لإبرازِ مشاعرِ التّعلّقِ المديد والحزنِ العميق والأسَى الصّادق على ميْتٍ عزيز رحلَ واقعا واستمرّ مجازا: حيّا في الذّاكرة وفي القصيدة. فها هي الخنساءُ تبكي أخاهَا القتيلَ صخرا حتّى كادَتْ تلحقُه إلى قبرِه لوعةً. إذ تُصوّر لحظةَ تلقّيها النّعيَ قائلةً:
«فَقُمْتُ وَقَدْ كَادَتْ لِرَوْعَةِ هَلْكِهِ v وَفَزْعَـتِهِ نَفْسِي مِنَ الـحُزْنِ تَتْـبَعُ».
{ الاستنتاج:
بقدرِ ما كشفتْ أشعارُ الجاهليّين مِنْ خصالٍ إنسانيّة عُليا، فقد صوّرتْ الكثيرَ مِنْ قيمِ العنف والبطش والعداء. وهي قيمٌ يُحتِّمها المناخُ الصّحراوي القاسي ونمطُ العيشِ القبليّ القائم على الغزو.
{v{v{




نسخة PDF قابلة للتّحميل (خاصّة بالتّلميذ)
https://files.acrobat.com/a/preview/f7caaee3-ebf6-427b-958e-d22c74e1dd97

درس المطالعة: (أسطورةُ نرسيس)، مِن كتاب: (أساطيرُ اليونان، عماد حاتم)، 2018-2019







{ أستاذة العربيّة: فوزيّة الشّطّي { درس مطالعة { 2اق1 + 2اق2 + 2ع1 {
{ معهد 'المنتزه' بالكبّاريّة { 2018-2019 {
{v أسْطورةُ نَرسِيس v{  
تَقتصُّ 'أفرُوديتا'، إلهةُ الحبِّ الشّقراءُ، مِـمَّنْ يرفضُ هِباتِها ويَجحدُ قدرتَها. فهكذا عاقبتْ ابنَ 'كِفيسيُوس' إلهِ الأنهارِ  و'لاڤريونا' الجِنّيّةِ، 'نرسِيس' الجميلَ الباردَ القلبِ المغرورَ. لقدْ كان مشغوفًا بنفسِه لا يجدُ سِواها جديرا بالاهتمام.
شاهدتْه الجنّيّةُ 'إيخا'، ربّةُ الصّدَى، مرّةً وقد تاهَ في الغابة أثناءَ الصّيد. لكنّها لم تستطعْ مبادرَتَه الحديثَ. فقد عاقبتْها 'هيرا' [الإلهةُ حاميةُ قداسةِ الرّباط الزّوِجيّ وزوجةُ 'زيوس' سيّدِ الأولمب وزعيمِ جميع الآلهة] بالصّمتِ الأبديِّ. فكانتْ تُجيبُ عنِ الأسئلةِ بترديدِ مقاطعِها الأخيرة فقط. ومِن المخبأ الثّاوِي في أعماقِ الأجَـمَةِ الكثيفة، راحتْ ربّةُ الصّدَى ترقبُ الشّابَّ الجميل الرّشيق وترمقُه بنظراتِ الافتتان والحبّ. أمّا 'نرسيس' فردّد نظرَه فيما حولَه حائرا في أيِّ اتّجاه يسلكُ. فصاح: «أيْ، مَن هنا؟»
أجابتْ ربّةُ الصّدى: «هنا».
أدارَ 'نرسيس' نظراتِه فيما حولَه، نظراتٍ مذهولةً. فلمْ تقعْ عيناه على أحد. وقد أدهشَه ذلك. فصاح:
-   إلى هنا. أسرِعْ إليَّ!
وأجابتْ ربّةُ الصّدَى: «إليَّ!»
وهَرعتْ مِن أعماقِ الغابة باسطةً ذراعيْها. لكنّ الشّابَّ الفاتنَ صدّها عنه حانِقا مغرورا. وابتعدَ مُسرعا ليختفيَ بين طيّاتِ الغابةِ الكثيفةِ. واختفتِ الجنّيّةُ التّاعسةُ المنبوذةُ في ظلام الغابة. إنّها تُعاني لذَعاتِ حبِّها لـ'نرسيس' وتحتجبُ عن الظّهورِ أمام أيِّ مخلوقٍ قانعةً بالرّدِّ على أيِّ صوتٍ بصوتِها المكدُود.
أمّا 'نرسيس' فظلّ كعادتِه مغرورا، عابدا ذاتَه، مُوصِدا قلبَه أمام همساتِ الحبِّ. فحمل غرورُه التّعاسةَ إلى قلوبِ الكثيرات مِن الجنّيّات وعرائسِ الغابات إلى أن صاحتْ به إحداهنّ:
-   فَلْيحرقِ الحبُّ قلبَك، يا 'نرسيس'. ولْتكنْ منبوذًا مِـمَّنْ تقعُ في هواه.
وكان ما تَـمنّتْه عروسُ الغابة. إذْ حلَّ غضبُ 'أفروديتا' على 'نرسيس' لرفضِه هِباتِها. فعاقبتْه. فقد ذهب مرّةً أثناءَ الصّيد إلى أحدِ الجداولِ ليُطفئَ ظمأَه بالماءِ البارد. كانتْ مياهُ الجدولِ رقراقةً شفّافة تنعكسُ في صفحاتها الصّافية السّماءُ الزّرقاءُ وأشجارُ السّروِ الباسقةُ والشّجيراتُ النّاميةُ فوق الشّاطئ. فلم يكنْ أيُّ راعٍ أو عنزةٍ برّيّة قد مسَّ تلكَ المياهَ كما لـمَّا يحْملِ النّسيمُ إليها وُريقاتِ الزّهور النّضيرة. وانحنَى 'نرسيس' على الجدول مُعتمِدا بذراعيْه على حجرٍ نافر من الماءِ. فتلألأتْ صورتُه في الماء بكلِّ جمالها وبهائها. إذّاكَ حلَّ عليه عقابُ 'أفروديتا'. ها هو يتأمّلُ صورتَه بافتتانٍ عجيب، ويُحسُّ بحبٍّ جارف يجتاحُ فؤادَه. فيرسلُ إلى صورتِه نظراتٍ متيَّمة، ويُومئُ إليها، ويفتح لها ذراعيْه، ويدعوها إليه. ثمّ يَـميل على صفحةِ الماء ليُقبّلَها. فتتلقّاهُ صفحةُ الماءِ الباردِ الصّافيةُ. ويَذهلُ 'نرسيس' عمّا يحيط به. فهو لا يَرِيمُ بنظرِه عن الصّورةِ الآسرة ولا يَـحِيدُ عن الجدول. لقد عافتْ نفسُه الطّعامَ والشّرابَ والنّومَ. فصاح أخيرا وقد هدَّه القنوطُ:
-   آه، مَن ذا الّذي يُعانِي ما أُعانيه؟! إنّ ما يفصلُني عنكِ ليست الجبالُ ولا البحارُ بل صفحةٌ مِن الماء. ومع هذا أنا عاجزٌ عن لُقياك. هيّا، اُخرجِي إليَّ مِن الماء!
ويَغرقُ الفتى في تفكيره وهو مشدودٌ إلى الصّورة. ثمّ تُخامرُه أخيرا فكرةٌ مُخيفة. فيهمسُ وقد انحنى على الماء:
-   ويْلاه، لَعَلِّي وقعتُ في هوَى نفسي! فأنتِ أنا! إنّني أُحبُّ نفسي وأُحسُّ أنّه لم يبقَ لي في الحياة إلاّ القليلُ. وما إنْ تتمّ أيّامي حتّى أذويَ وأنتقلَ إلى مملكةِ الأشباح المظلِمة. بيدَ أنّ الموتَ لا يُخيفني. فهو يحملُ لي نهايةَ ما أنا فيه مِن عذاب.
وتخونُ 'نرسيس' قُواه. فيشحَبُ لونُه. يُحسُّ بدنوِّ ساعتِه. لكنّه، رغم ذلك، لا يكِلُّ مِن النّظر إلى صورتِه ولا يستطيعُ عنها فَكاكا. ويبكِي الفتَى. فتتساقطُ دموعُه في مياهِ الجدولِ الصّافيةِ. وتتسابقُ الحلقاتُ فوق صفحةِ الماء. ويضطربُ جمالُ الصّورة. فيصيحُ 'نرسيس' بخوف:
-   وَاهٍ! أين أنتِ؟ عُودِي. قِفِي. لا تتركينِي. فكمْ يُخيفني الهجرُ! مَكّنيني ولو مِن النّظرِ إليكِ.
ويهدأُ الماءُ مِن جديد. ومِن جديد تعودُ الصّورةُ. فيحدّقُ فيها 'نرسيس' غيرَ كليلِ الطّرف. إنّه يتلاشَى كقطراتِ النّدى فوق زهورٍ أنفذتِ الشّمسُ فيها أشعّتَها الـمُحرِقةَ. وتشهدُ الجنّيّةُ التّاعسةُ عذابَ 'نرسيس'. فتذوبُ ألما ولوعةً لعذابه لأنّها ما تزالُ على حبِّه. ويصيحُ الفتَى: «أوّاه! يا لِأحزاني!»
فتُجيبُ ربّةُ الصّدى: «أحزاني!»
ويهمِسُ 'نرسيس' أخيرا بصوتٍ واهن وهو ينظرُ إلى صورتِه الجميلة: «الوداع».
ومِن جديدٍ يتردّدُ صوتُ ربّة الصّدى واهيا لا يكادُ يُسمَع: «الوداع».
مال 'نرسيس' برأسِه على أعشابِ الشّاطئ الخضراء. وغشّتْ عينيْه ظلمةُ الموت. لقد فارق َالحياةَ. فبكتْه جنّيّاتُ الغابةِ. وذرفتْ دموعَها ربّةُ الصّدى. وحفرتِ الجنّيّاتُ ضريحا ليدفنَّه فيه. لكنّهنّ، عندما جئْنَ ليأخذنَ جثّتَه، لم يَـجِدْنَها. ففي ذلك المكانِ حيث مال رأسُ 'نرسيس'، نَـمَتْ زهرةٌ شذيّةٌ: إنّها زهرةُ النّرجس، زهرةُ الموت.
{ د. عماد حاتم { أساطيرُ اليونانِ { صص: 105-108 {
{ دار الشّرق العربيّ { ط: 2 { بيروت، 1994 {
v أجِبْ عن الأسئلةِ التّالية كتابيّا:
1-             ماذا تعرفُ عن الأساطِير [العربيّة، اليونانيّة، الرّومانيّة، الفرعونيّة، العراقيّة...]؟
2-             إلى مَن ترمزُ شخصيّاتُ هذه الأسطورة؟
3-             تُفسّرُ هذه الأسطورةُ أصلَ بعضِ الظّواهر الطّبيعيّة. بيّنْ ذلك.
4-             لِـمَ جاءتْ نهايةُ الأحداثِ مأساويّةً؟
5-             صُغْ موقفَك النّقديَّ مِن هذا النّصِّ مُعلِّلا إيّاه.
{v{v{




نسخةُ PDF قابلة للتّحميل
https://files.acrobat.com/a/preview/3bc160c6-3ca2-4003-9ec3-92cbfb6b9b2e